فخر الدين الرازي

42

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا : إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة ، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة ، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر ، وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض . الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول : لا يبعد أن يعلم اللّه تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس ، وهذا غير مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات ، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي عليه الصلاة والسلام : أي الصيام أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر اللّه المحرم » و قال عليه الصلاة والسلام : « من صام يوما من أشهر اللّه الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما » وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الأشهر ، وفيه فائدة أخرى : وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم ، فاللَّه سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى إن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، وذلك يوجب أنواعا من الفضائل والفوائد : أحدها : أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب ، لأنه يقل القبائح . وثانيها : أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقا . وثالثها : أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات ، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض / البقاع بمزيد التعظيم والاحترام . ثم قال تعالى : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله : ذلِكَ إشارة إلى قوله : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه . البحث الثاني : في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى . الثاني : قال الحسن : ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم هاهنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل في لفظ الدين الانقياد يقال : يا من دانت له الرقاب ، أي